السعيد شنوقة

223

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

أبواب الحديث الشريف شهد فيها محاولات فردية اجتهادية ، فإنه انفصل لاحقا عن الحديث ليصبح علما بأصول ومناهج ومدارس على أيدي علماء « 1 » أجلّاء ، وصار يعرف التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي وتأثر باتجاهات المفسرين ، واصطبغ بثقافاتهم ، وانطبعت التفاسير بما برع فيه العلماء المفسرون من معارف وفنون ، يظهر ذلك في تتبع المسائل النحوية وتخريجها وإعراب القرآن خدمة للتفسير لدى الزجاج ( ت 311 ه ) « 2 » ، والنحاس ( ت 338 ه ) ، والواحدي « 3 » ( ت 468 ه ) ، وكاللغويين الذين فسروا غريب القرآن كأبي عبيدة ( ت 224 ه ) ، وقطرب ( ت 206 ه ) ، وكالفقهاء الذين تتّبعوا آيات الأحكام فألّفوا كتب أحكام القرآن كالإمام الشافعي ( ت 204 ه ) له « أحكام القرآن » « 4 » ، ومن برع في العلوم العقلية انطبع تفسيره بها كالفخر الرازي « 5 » ( ت 606 ه ) ، وكالمتصوفة فسّروا بآرائهم منهم أبو بكر بن العربي ( ت 543 ه ) في كتابه : « العواصم من القواصم » « 6 » . أما علماء الكلام فأوّلوا بعض آيات القرآن الكريم بما يتفق مع ما اعتقدوه من مذاهب ، يهمنا منهم فرقة المعتزلة وأعلامهم الذين بذلوا جهودهم الفكرية منذ القدرية الأوائل إلى القدرية المعتزلة مدافعين عن عقيدة التوحيد منزّهين الله تعالى وناصرين الإسلام . تلك نية أوائلهم لكنهم عمّقوا البحث في مسائل الإلهيات ولم يكونوا وحدهم في هذا التعمق ، وإنما قام أهل السنة بذلك أيضا ، وعلى أي حال ليس بوسع العقل أن بقطع في تلك الغيبيات ، ولا أن يدركها إلّا من خلال ما أخبر به الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز الحكيم .

--> ( 1 ) نهم ابن ماجة ( ت 273 ه ) وابن جرير الطبري ( ت 310 ه ) . وأبو بكر النيسابوري ( ت 318 ه ) وابن أبي حاتم ( ت 327 ه ) وأبو الشيخ بن حبان ( ت 369 ه ) والحاكم ( ت 405 ه ) وأبو بكر بن مردويه ( ت 410 ه ) : انظر د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 144 . ( 2 ) من كتبه « معاني القرآن » ، انظر عادل نويهض ، معجم المفسرين ، ج 1 ص 13 . ( 3 ) هو علي بن أحمد بن محمد بن علي بن متويه أبو الحسن الواحدي له " البسيط " تفسير كبير يغلب عليه الإعراب والشواهد واللغة . وله « الوسيط » وهو مختار من البسيط . وله " الوجيز " : انظر م ن ، ج 1 ، ص 352 . ( 4 ) م ن ، ج 2 ، ص 488 . ( 5 ) انظر ، تفسيره مفاتيح الغيب . ( 6 ) راجع عمار طالبي ، آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ج 2 ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر . وكذا أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ، ص 145 - 146 وكذا د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ج 1 ، ص 149 - ، 150 ود . أحمد محمد الحوفي ، الزمخشري ، ص 100 .